الجمعة , 13 مارس 2026 - 11:42 مساءً

حوار مع المحللة النفسية والتربوية: جاكلين حكواتي – مطر

أطفالنا في مهب الأزمات: كيف نبني جسور الأمان النفسي؟

المحللة النفسية والتربوية: جاكلين حكواتي – مطر

المحللة النفسية والتربوية: جاكلين حكواتي – مطر

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

حاورتها: سامية عرموش

في ظل الظروف القاسية وحالات الطوارئ التي نعيشها، لا تقتصر آثار الحرب على الواقع الميداني فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على الصحة النفسية للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع، وهم الأطفال والطلاب. ومع تحول المنازل إلى مدارس بديلة وغياب الاستقرار المعتاد، تبرز حاجة ملحة لفهم لغة الخوف لدى الصغار وكيفية احتوائها. في هذا الحوار، تضع المحللة النفسية التربوية، جاكلين حكواتي - مطر، النقاط على الحروف، مقدمةً دليلاً عملياً للأهل والطلاب لفهم تقلبات السلوك وإدارة التوتر في زمن الأزمات.

1. في ظل الحرب التي نعيشها هذه الأيام، كيف ينعكس التوتر والخوف على الأطفال والطلاب نفسيًا، وهل يختلف تأثيره عن تأثيره على الكبار؟

إن أجواء الحرب وما يرافقها من توتر وخوف تضع الطفل في حالة قلق دائم، وهو ما قد يظهر جلياً من خلال: الخوف الزائد، اضطرابات النوم، الكوابيس، صعوبة التركيز في الدراسة، أو العصبية والانطواء. كما قد يلجأ بعض الأطفال إلى "سلوكيات نكوصية" كالتعلّق الشديد بالأهل.

نعم، التأثير على الأطفال أعمق لأن إدراكهم للأحداث لم يكتمل بعد، ولأن شعورهم بالأمان لا يزال في طور التكوين، لذا يظهر خوفهم عبر السلوك والمشاعر. أما الكبار، فرغم فهمهم للأحداث، إلا أن معاناتهم تتركز غالباً في ضغط المسؤوليات والقلق المستمر على العائلة والمستقبل. وأهم عامل هنا هو استمداد الطفل للأمان من أهله؛ فحين يرى الوالدين في حالة هدوء، ويقدمون الدعم ويحافظون على الروتين اليومي، يقل التأثير النفسي السلبي للحرب عليه.

2. مع انتقال المدارس إلى التعليم عن بُعد عبر "زوم"، ما التحديات النفسية التي قد يواجهها الطلاب أثناء التعلم من البيت في هذه الظروف؟

يواجه الطلاب تحديات نفسية بارزة، من أهمها: العزلة الاجتماعية بسبب غياب التواصل المباشر مع الأصدقاء والمعلمين، مما يؤثر على الانتماء والدافعية. كما قد يواجهون تشتت الانتباه نتيجة وجود مشتتات منزلية كالضوضاء أو استخدام الهاتف، والقلق الدراسي الناتج عن الخوف من ضعف التحصيل أو صعوبة متابعة الدروس إلكترونياً. بالإضافة إلى ذلك، فإن الإرهاق الرقمي والجلوس الطويل أمام الشاشات يسبب تعباً ذهنياً يقلل النشاط والحماس، فضلاً عن صعوبات في تنظيم الوقت والالتزام بالمهام في غياب النظام المدرسي المباشر.

3. كثير من الأهالي يلاحظون تغيرات في سلوك أطفالهم في أوقات الأزمات. ما العلامات التي قد تشير إلى أن الطفل يعيش حالة قلق أو توتر؟

هناك عدة علامات تشير إلى شعور الطفل بالقلق، منها: تغير مفاجئ كالعصبية الزائدة أو سرعة الغضب، الانسحاب الاجتماعي وفقدان الرغبة في اللعب، صعوبات في النوم أو كثرة الكوابيس، والتعلّق الزائد بالأهل. كما نلاحظ أحياناً تراجع الأداء الدراسي، وشكاوى جسدية (ألم بطن أو صداع) دون سبب طبي، وصولاً إلى العودة لسلوكيات طفولية كالتبول اللاإرادي. هذه الإشارات تعني أن الطفل يحتاج إلى دعم وطمأنة مكثفة من بيئته المحيطة.

4. هل يمكن أن تظهر الضغوط النفسية لدى الأطفال من خلال سلوكيات يومية مثل اللعب، أو الشهية للطعام، أو النوم؟ وما الذي ينبغي على الأهل الانتباه إليه؟

نعم، الضغوط النفسية تظهر بوضوح في السلوك اليومي؛ فالطفل غالباً لا يعبّر بالكلام بل بالتصرفات. قد يصبح لعبه أكثر عدوانية، أو تظهر اضطرابات في الشهية (فقدانها أو الأكل المفرط)، بالإضافة إلى الكوابيس. على الأهل الانتباه لأي تغيير "واضح ومستمر" في سلوك الطفل مقارنة بطبيعته المعتادة، مثل زيادة التوتر، سرعة البكاء، أو الانطواء؛ فهذه دلالات على حاجة الطفل للاحتواء والدعم النفسي.

5. ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الأهل في هذه الفترة لخلق شعور بالأمان لدى أطفالهم رغم الأوضاع الصعبة؟

يستمد الأطفال أمانهم من ردود فعل الكبار. يمكن للأهل دعم أطفالهم عبر الحفاظ على الروتين اليومي (نوم، طعام، لعب) لأنه يمنحهم الاستقرار. ومن المهم الاستماع لمشاعر الطفل وإتاحة المجال له للتعبير عن خوفه دون تقليل من شأن هذه المشاعر، مع تقديم الطمأنة بلغة بسيطة وتجنب التعريض المفرط للأخبار المجهدة. كما أن الاهتمام باللعب والأنشطة المشتركة يساعد الطفل على تفريغ التوتر والشعور بالقرب والدعم.

6. أخيرًا، ما النصيحة التي تقدمينها للطلاب أنفسهم كي يتعاملوا مع الخوف والتوتر ويحافظوا على توازنهم في هذه الأيام؟

الخوف شعور طبيعي في هذه الظروف، وللحفاظ على التوازن أنصحكم بالتركيز على ما يمكن التحكم فيه وتنظيم الوقت، والاعتناء بالجسم من خلال فترات الراحة والتنفس العميق، والحد من متابعة الأخبار المجهدة، ومشاركة المشاعر مع أشخاص موثوقين. حاولوا دائماً تحويل القلق إلى أفكار إيجابية وعملية؛ فالتوازن لا يعني غياب الخوف، بل القدرة على التعامل معه بوعي وبخطوات صغيرة يومياً.

خاتمة:

في نهاية هذا الحوار، يتضح أن "الأمان" ليس مجرد غياب الخطر الخارجي، بل هو حالة نبنيها داخل بيوتنا وعبر علاقتنا بأطفالنا. إن وعي الأهل بتلك الإشارات السلوكية وقدرتهم على الحفاظ على روتين هادئ يمثلان حائط الصد الأول لحماية جيل المستقبل من الندوب النفسية للأزمات. شكراً للمحللة النفسية جاكلين حكواتي - مطر على هذه الإضاءات التي تمنحنا الأدوات لمواجهة القلق بالوعي والاحتواء.

×