السبت , 04 يوليو 2026 - 9:46 مساءً

في زمن يستطيع فيه الجميع أن ينشر… لماذا أصبحت الصحافة المهنية أكثر أهمية من أي وقت مضى؟

لنا غانم أيوب - باحثة في مجال الإعلام

لنا غانم أيوب - باحثة في مجال الإعلام

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

كتبت: لنا غانم أيوب - باحثة في مجال الإعلام

لم يعد السؤال اليوم: من يستطيع أن ينشر؟ فالإجابة أصبحت واضحة، الجميع يستطيع. بضغطة زر واحدة يمكن لأي شخص أن ينشر خبرًا، أو فيديو مباشرًا، أو يعلّق على حدث يشاهده الآلاف خلال دقائق.

أما السؤال الحقيقي، فهو سؤال آخر تمامًا: من يستطيع أن يتحمل مسؤولية ما ينشر؟

هنا يبدأ الفرق بين النشر والصحافة.

لقد غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي طريقة إنتاج المعلومات واستهلاكها، وأصبح الخبر يصل إلى الجمهور بسرعة غير مسبوقة. لكن هذه السرعة جاءت بثمن. ففي كثير من الأحيان، أصبحت الأولوية للسبق، لا للدقة؛ ولعدد المشاركات، لا لجودة المعلومة؛ ولإثارة الانفعال، لا لفهم الحقيقة.

في خضم هذا التدفق الهائل للمعلومات، لم تعد المشكلة الأساسية هي نقص الأخبار، بل وفرتها. ولم يعد التحدي أن نعرف ما يحدث، بل أن نعرف أيّ ما يحدث يمكن الوثوق به. ولهذا السبب تحديدًا، لم تفقد الصحافة المهنية أهميتها، بل أصبحت أكثر ضرورة. فالصحافة المهنية ليست مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما مؤسسة اجتماعية تقوم على مبادئ واضحة: التحقق من المعلومات، مراجعة المصادر، سماع جميع الأطراف، ووضع الوقائع في سياقها الصحيح. إنها عملية إنتاج للمعرفة، وليست مجرد إعادة نشر للمعلومات.

قد يسبق منشور على وسائل التواصل الصحفي في نقل الحدث، لكن السباق نحو الحقيقة لا يُحسم بالثواني، بل بقدرة من ينقل الخبر على التحقق منه. فالسرعة قد تصنع الانتشار، لكنها لا تصنع المصداقية.

ولعل أخطر ما أنتجته البيئة الرقمية ليس كثرة المعلومات، وإنما تآكل الحدود بين الحقيقة والرأي، وبين الخبر والتعليق، وبين الوقائع والانطباعات الشخصية. فأصبح كثيرون يتعاملون مع جميع المصادر وكأنها متساوية في القيمة، بينما هي في الواقع تختلف اختلافًا جذريًا في معايير إنتاج المعرفة.

ومن منظور إعلامي، فإن المجتمع الذي يفقد ثقته بكل المؤسسات الإعلامية لا يصبح أكثر حرية، بل أكثر هشاشة. لأن غياب المرجعيات المهنية يفتح المجال أمام الشائعات، والمعلومات المضللة، والخطابات التي تقوم على الإثارة أكثر من قيامها على الأدلة.

ولكن، هذا لا يعني أن الصحافة المهنية معصومة عن الخطأ، أو أنها لا تستحق النقد. بل على العكس، النقد هو أحد شروط تطورها واستمرارها. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين انتقاد الأداء الصحفي، وبين التشكيك في أهمية الصحافة نفسها. فالمهنة التي تُحاسَب على أخطائها هي أيضًا المهنة الوحيدة التي تمتلك معايير واضحة للمحاسبة والتصحيح.

لقد منحتنا وسائل التواصل الاجتماعي حق النشر، لكنها لم تمنحنا بالضرورة أدوات التحقّق، ولا المسؤولية المهنية، ولا الالتزام الأخلاقي الذي يجعل من المعلومة خدمة عامة، لا مجرد محتوى عابر.

وفي زمن يستطيع فيه الجميع أن ينشر، لم تعد قيمة الصحافة المهنية تكمن في كونها الأسرع، بل في كونها الأكثر التزامًا بالحقيقة.

لأن الحقيقة ليست أول ما يُنشر… بل آخر ما يبقى.

 

 

×