الاثنين , 13 يوليو 2026 - 1:18 صباحاً

فوزية فيصل: من مرارة القهوة إلى حلاوة العطاء

فوزية فيصل: من مرارة القهوة إلى حلاوة العطاء

فوزية فيصل: من مرارة القهوة إلى حلاوة العطاء

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

#كتبت: سامية عرموش

عادةً ما نرثي الراحل، ونغفل عن أولئك الذين يواصلون الحياة بعده، حاملين وجع الفقد بصمت.
قبل أيام، قُتل الشاب وئام فيصل، البالغ من العمر 17 عامًا، إثر تعرضه لإطلاق نار بينما كان يجلس عند مدخل متجر في شارع الهاغاناه بمدينة حيفا. وفي الحادثة نفسها قُتل الشاب جوناثان خوري، البالغ من العمر 18 عامًا.
وسط هذا الألم، اتخذت عائلة وئام قرارًا إنسانيًا نبيلًا بالتبرع بأعضائه، فأنقذت حياة ستة مرضى، وتحول وجعها إلى بارقة أمل لعائلات أخرى.
لكن، وأنا أقرأ الخبر، اتجهت أفكاري مباشرة إلى جدته، فوزية فيصل.
عرفت فوزية قبل نحو خمسة أعوام عندما قصدتها لإعداد تقرير تلفزيوني عن محمصة "قهوة سامي". رافقناها طوال يوم التصوير، وكانت مثالًا للصبر والتعاون، تستقبل كل طلب بابتسامتها الهادئة، وتتعامل مع فريق العمل بروح محبة ورحابة صدر.
ثم جمعتنا مناسبة أخرى، عندما طلبت منها استضافة لقاء بيتي ضمن نشاطات "نساء يصنعن السلام"، ففتحت بيتها وقلبها كما اعتادت أن تفعل. ومنذ ذلك الحين توطدت علاقتنا، وصارت تجمعنا جلسات قهوة طويلة، وحديث لا ينتهي.
فوزية فيصل، ابنة حيفا، هي واحدة من النساء اللواتي صنعن حضورهن بالعمل والاجتهاد. انطلقت مع زوجها الراحل عام 1974 في تأسيس محمصة "قهوة سامي"، التي حملت اسم ابنهما الأكبر، وكانت منذ البداية شريكة حقيقية في بناء المشروع العائلي الذي استمر حتى الجيل الثالث.
وكثيرًا ما كانت تقول إن قدرتها على التوفيق بين تربية أبنائها الخمسة وإدارة العمل لم تكن لتتحقق لولا الدعم الكبير الذي حظيت به من والديها، ماديًا ومعنويًا.
فوزية امرأة قوية الإرادة، بشوشة الوجه، كريمة الأخلاق. ربّت أبناءها، ثم أحفادها، بكل ما تملك من حب واهتمام. وفي تجربتها الطويلة، لم تكن القهوة مجرد مهنة، بل لغة اجتماعية تحفظ الود، وترافق الناس في أفراحهم وأتراحهم، وتحمل شيئًا من ذاكرة المكان.
ولم يقتصر حضورها على العمل، بل امتد إلى خدمة المجتمع والعمل التطوعي، حتى كرّمتها بلدية حيفا ومنحتها لقب "امرأة ملهمة".
حين قرأت نبأ مصرع حفيدها، لم أستطع أن أرفع سماعة الهاتف. ظل سؤال واحد يرافقني: كيف يمكن مواساة امرأة اعتادت أن تمنح الآخرين الطمأنينة؟
وعندما ذهبت إلى بيت العزاء، وجدتها كما عرفتها دائمًا؛ ثابتة، مؤمنة، متماسكة، تستمد قوتها من إيمان عميق، وتمنح من حولها قوة يحتاجونها هم أيضًا.
رحم الله وئام، وربط على قلب فوزية فيصل، تلك المرأة التي علمتنا أن الصبر ليس احتمال الألم فحسب، بل القدرة على البقاء واقفة، حتى عندما ينكسر القلب.

رحم الله وئام فيصل وجوناثان خوري، وربط على قلوب عائلتيهما. وأطال الله في عمر فوزية فيصل، وأدام عليها نعمة الصبر والعطاء، لتبقى كما عرفناها دائمًا، امرأةً تمنح من حولها الأمل حتى في أشد اللحظات قسوة.

×