الاثنين , 26 أكتوبر 2026 - 8:32 مساءً

خزانة مليئة بالملابس و«لا شيء لأرتديه!»: من فائض الخزانة إلى مسؤولية الاستهلاك

سامية عرموش

سامية عرموش

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

كتبت: سامية عرموش

148 قطعة ملابس في المتوسط تملأ خزائن النساء، ونحو قطعة من كل ست لا تُرتدى مطلقًا. هذه الأرقام، التي كشفت عنها دراسة هولندية شملت 958 خزانة ملابس، تلخّص مفارقة مألوفة: نشتري المزيد، ونملأ خزائننا، ثم نقف أمامها ونقول: «ليس لديّ ما أرتديه!».
لم أكن بحاجة إلى دراسة كي أكتشف أن هذه المفارقة قريبة مني. خلال أربعين يومًا من حرب إيران الثانية، في مطلع العام الجاري، وجدت نفسي أرتّب خزانتي وأعيد النظر في محتوياتها. بين خمسة جاكيتات شتوية وأثواب تراكمت على مر السنين، تساءلت: كيف وصلنا إلى امتلاك كل هذا، بينما نشعر أحيانًا بأننا بحاجة دائمة إلى المزيد؟
وأنا التي كتبت عن البيئة والاستهلاك، وجدت نفسي أختبر هذه الأسئلة شخصيًا. لم يكن الأمر شعورًا بالذنب، بل محاولة لفهم عادات تتشكل تدريجيًا: قطعة نشتريها لأنها جميلة، وأخرى لأن سعرها مغرٍ، وثالثة لأننا نظن أننا سنحتاج إليها لاحقًا. ثم تمر السنوات، وتبقى بعض القطع معلّقة بلا استخدام.
وفي خضم انشغالي بفرز الملابس، بدأت أتلقى اتصالات من سيدات يسألن عن إمكانية تنظيم معرض للملابس المستعملة ضمن النشاط التطوعي لجمعية «سلامتك» في حيفا، التي أعمل معها منذ سنوات في مجال العلاقات المجتمعية. أعادتني هذه الاتصالات إلى تجربة أشارك فيها، بالتعاون مع مبادرات مجتمعية، من بينها جمعية «امرأة لإمرأة» في حيفا، حيث يُخصّص ريع المعارض لدعم الأطفال المرضى.
في هذه المعارض، أرى الملابس من زاوية مختلفة؛ فالقطعة التي لم نعد نحتاج إليها قد تجد صاحبًا جديدًا، بدلًا من أن تتحول إلى نفاية. وتصلنا تبرعات من حيفا وخارجها، بينها ملابس بحالة ممتازة وأخرى جديدة لم تُفتح عبواتها أصلًا. عندها أتساءل: كم من المال والموارد والطاقة استُثمر في أشياء لا تزال صالحة للاستخدام، لكنها تنتظر فرصة ثانية؟
بالنسبة إليّ، لا تقتصر هذه المبادرات على توفير الملابس بأسعار ميسّرة أو دعم الأطفال المرضى، بل تمثل فرصة للجمع بين الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية، من خلال تقليل الهدر وإطالة عمر المنتجات وتعزيز إعادة استخدامها.
وتتضح أهمية هذه الممارسات في ظل انتشار منصات التسوق الإلكتروني مثل «شي إن» (Shein) و«تيمو» (Temu)، التي جعلت الشراء أسهل من أي وقت مضى، عبر الأسعار المنخفضة والعروض المتجددة. لكن وراء هذه السهولة كلفة بيئية لا تظهر على فاتورة الشراء، تشمل استهلاك المياه والطاقة والمواد الخام، والانبعاثات والنفايات النسيجية.
لا تقع المسؤولية على المستهلك وحده؛ فصناعة الأزياء تشجع على التجديد المستمر، لكن يمكننا مراجعة خياراتنا والبدء بما نملكه بالفعل: إصلاح الملابس، وإعادة تنسيقها، وتبادلها أو إهداؤها أو بيعها لتُستخدم مجددًا. وقبل شراء قطعة جديدة، يكفي أحيانًا أن نسأل أنفسنا: هل أحتاج إليها فعلًا؟
ما تعلمته من تجربتي الشخصية ومن عملي مع «سلامتك» هو أن الاستدامة ليست فكرة نكتب عنها فحسب، بل ممارسة تبدأ من تفاصيل حياتنا اليومية. لا يستطيع معرض للملابس المستعملة وحده تغيير صناعة الأزياء، لكنه يقدم بديلًا عمليًا لثقافة الاستهلاك المتسارع، ويمنح الأشياء فرصة ثانية، ويحوّل الوعي إلى فعل.
ربما لا نحتاج إلى خزانة أكبر، بل إلى وعي أكبر بما نضعه داخلها. وربما تبدأ الاستدامة الحقيقية حين نتوقف عن السؤال عمّا ينقصنا، ونبدأ بالتفكير في قيمة ما نملكه بالفعل.

 

----------------------------

سامية عرموش، صحافية وناقدة سينمائية وباحثة مستقلة، حاصلة على درجة الماجستير بامتياز في ثقافة السينما من جامعة حيفا، وتتابع حاليًا دراستها للماجستير في إدارة الموارد الطبيعية والبيئية. تنشغل في كتاباتها ومحاضراتها بالعلاقة بين السينما والقضايا الاجتماعية، وبقدرة الثقافة والفن على إثارة الأسئلة وإحداث التغيير. وإلى جانب عملها الإعلامي والثقافي، تنشط في مبادرات مجتمعية وبيئية تعزّز الاستدامة والاستهلاك الواعي، وتدعم ثقافة إعادة الاستخدام والتدوير، انطلاقًا من إيمانها بأن التغيير يبدأ بالوعي، ويتجسّد في ممارسات يومية مسؤولة تجاه الإنسان والبيئة.

×