من التمثيل إلى التطبيع: كيف تُعيد الدراما إنتاج الإذلال الاجتماعي؟
الصورة بلطف عن الشبكة
كتبت: سامية عرموش
ليست الصورة بريئة كما نظن. فهي لا تمرّ عبر أعيننا ثم تختفي، بل تستقرّ، وتتراكم، وتعيد تشكيل حدود المقبول في وعينا. هكذا، لا يعود مشهد العنف في بعض الأعمال الدرامية مجرد حبكة تشويقية عابرة، بل يتحول مع التكرار إلى خطاب بصري يصوغ المخيال الجمعي ويعيد تعريف معنى القوة والهيبة والرجولة.
الواقعة المؤسفة التي شهدتها مصر مؤخراً، بإجبار شاب على ارتداء ملابس نسائية بقصد الإهانة العلنية، ليست مجرد حادثة منفصلة يمكن طيّها في سجل الجرائم اليومية. إنها فعل رمزي بامتياز؛ إذ لا يستهدف الجسد بقدر ما يستهدف الكرامة والصورة الاجتماعية للفرد. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: متى تتسلل الصورة من الشاشة إلى الشارع؟ ومتى يتحول التمثيل إلى تطبيع؟
لا أدّعي علاقة سببية مباشرة بين عمل درامي بعينه وسلوك إجرامي محدد؛ فالعلم لا يعمل بهذه البساطة الخطية. غير أن أبحاث علم النفس الإعلامي تشير إلى أثر تراكمي لا يمكن تجاهله. وقد أوضح عالم النفس الكندي الأمريكي **Albert Bandura** في «نظرية التعلم الاجتماعي» أن الإنسان يتعلم عبر الملاحظة بقدر ما يتعلم عبر التجربة المباشرة. في تجربته الشهيرة حول «دمية بوبو»، أثبت أن رؤية نموذج يُمارس سلوكاً عدوانياً – خصوصاً إذا قُدّم بوصفه ناجحاً أو غير معاقَب – تزيد من احتمال تقليد ذلك السلوك، ولا سيما لدى الفئات الأكثر هشاشة أو بحثاً عن نموذج قوة.
الخطر إذن لا يسكن في مشهد عابر، بل في تراكم الصورة حتى تفقد قدرتها على الصدمة، وتتحول من استثناء درامي إلى نموذج ذهني جاهز للاستخدام. وحين يُصاغ “البطل” بوصفه من يستعيد حقه عبر الإهانة العلنية وكسر خصمه أمام الناس، فإن الرسالة الضمنية تتجاوز الترفيه؛ إنها تعيد تعريف مفهوم استعادة الكرامة ذاتها. ويمكن قراءة بعض هذه الأنماط في أعمال درامية لاقت انتشاراً واسعاً، مثل مسلسل **الأسطورة** (2016) بطولة محمد رمضان، الذي عُرض في موسم رمضان وحقق نسب مشاهدة مرتفعة. قدّم العمل شخصية “رفاعي الدسوقي” بوصفها نموذجاً شعبياً يستعيد الهيبة بالقوة، وتضمن مشاهد كسرٍ علني لخصومه تحولت إلى مادة تداول شعبي واسع. ليس الهدف هنا محاكمة عمل بعينه، بل مساءلة نمط بصري يتكرر حتى يصبح جزءاً من الخيال الشعبي حول معنى “الرجولة” و”الهيبة”.
ما نشهده في بعض الوقائع ليس عنفاً جسدياً فحسب، بل استعراض قوة أمام جمهور؛ مسرحٌ مفتوح تُكسر فيه الكرامة على مرأى من الناس. هذا التشابه بين منطق الفرجة الدرامية ومنطق العقاب الرمزي في الواقع ليس مصادفة بريئة، بل انعكاس لمناخ ثقافي يُعيد تدوير الصورة ذاتها بأدوات مختلفة.
لقد صدرت في السنوات الأخيرة دعوات رسمية لمراجعة الخطاب الدرامي، من بينها تصريحات للرئيس **عبد الفتاح السيسي** حول ضرورة الحد من مشاهد البلطجة، خاصة في مواسم المشاهدة الكثيفة كشهر رمضان. ويمكن فهم هذه الدعوات بوصفها تعبيراً عن قلق من أثر التكرار في تشكيل الوعي العام، لا مجرد رغبة في تقييد الإبداع. ومع ذلك، فإن المسؤولية الثقافية لا تُلقى على عاتق الدولة وحدها، بل تمتد إلى صناع الصورة أنفسهم؛ فالدراما ليست مرآة تعكس الواقع فقط، بل قوة ناعمة قادرة على إعادة صياغته.
حين يعتاد المجتمع رؤية الكرامة تُكسر على الشاشة دون مساءلة أخلاقية حقيقية، يصبح كسرها في الواقع أقل صدمة. وهنا لا يخسر الضحية وحده، بل يخسر المجتمع جزءاً من حساسيته الأخلاقية. والسؤال الأهم ليس: هل تسببت الدراما في هذه الجريمة؟ بل: أي نوع من البشر نصنع حين نكرر صورة الإذلال حتى تصبح عادية؟
فالفن، في جوهره، ليس ترفاً جمالياً، بل مسؤولية حضارية. وحين لا يرتقي بالإنسان، فإنه – ولو بغير قصد – يساهم في إعادة إنتاج انحداره.
---
صحافية وناقدة سينمائيّة، تعمل على تفكيك الخطاب البصري وتحليل أثره الاجتماعي، ومحاضِرة مُستقلّة في موضوع السينما كأداة للتغيير. حاصلة على ماجستير بدرجة امتياز في “ثقافة السينما” من جامعة حيفا.


هاي فايف