الأحد , 22 فبراير 2026 - 5:53 مساءً

مولانا: حين يبحث المجتمع عن معنى وقائد

مولانا: حين يبحث المجتمع عن معنى وقائد

مولانا: حين يبحث المجتمع عن معنى وقائد

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

#كتبت: سامية عرموش

في مسلسل مولانا، بطولة تيم حسن، لا نشاهد حكاية هروبٍ عاديّة، بل مسار تحوّلٍ متدرّج لشخصية تقف على تخوم التناقض: جريمةٌ تلازمها حجّة، غضبٌ يتجاور مع رجاء، وقناعٌ يخفي ندبةً لم تندمل. العمل لا يمنحنا بطلاً مثالياً، بل إنساناً يتأرجح في المنطقة الرمادية بين العدالة والقصاص، بين الحقّ والرغبة في استعادته بالقوّة.

ينتقد المسلسل بنية الظلم عبر شخصية الشرطي المنتمي إلى نظام الأسد البائد، لكنّه لا يفعل ذلك بخطابٍ مباشر أو بشعارات سياسية جاهزة، بل عبر تفاصيل يومية خانقة في قرية حدودية مطوّقة بالألغام. المكان نفسه يبدو استعارةً مكثّفة: أرضٌ مفخّخة كما الأرواح، وطرقاتٌ مغلقة كما المصائر. في هذا المناخ، لا يعود العنف طارئاً، بل يتحوّل إلى جزء من الإيقاع العام للحياة.

المفصل الدرامي الأبرز يتمثّل في قتل جابر لزوج شقيقته، الشرطي الذي اعتدى عليها بوحشية. الفعل هنا يتجاوز حدود الانتقام الشخصي ليصبح تمرّداً على عنفٍ ذكوريّ يستند إلى سلطة رسمية. نعم، هو قاتل. ونعم، تحرّكه غريزة الحماية. هذه الازدواجية هي ما يمنح الشخصية ثقلها الإنساني، ويجعلها سؤالاً مفتوحاً: هل يمكن أن يولد العدل من قلب الخطيئة؟

عندما يدخل جابر المسجد الذي غاب عنه إمامه طويلاً، تبلغ الرمزية ذروتها. تلتقطه الكاميرا من زاوية منخفضة وهو يفتح الباب، فيبدو كأن المكان يُبعث من جديد بقدومه. يدخل الضوء معه، فتتراجع العتمة. ليست الصورة جمالية فحسب، بل دلالية أيضاً: في فراغٍ خلّفته سلطة غائبة أو متواطئة، يتقدّم فرد ليملأ المساحة. هكذا يبدأ تشكّل النفوذ… بلقطة.

وحين يؤمّ الناس في الصلاة، تتحوّل اللحظة إلى استعادة جماعية للمعنى. وجوهٌ تستعيد طمأنينتها، وصوتٌ يعيد ترتيب الإحساس بالانتماء. بعد الصلاة، يمنحه أهل القرية اسماً سيصير عنوان المرحلة: “مولانا”. في التسمية تفويضٌ رمزي، وشرعية شعبية تتقدّم على شرعية النظام الذي فرّ منه.

هنا يتكثّف المعنى الأوسع: المجتمعات، حين تُحاصر بالخوف والتهميش، تبحث عمّا تؤمن به. تحتاج إلى رمزٍ يعيد لها شعور التماسك، وإلى قائدٍ تسير خلفه حتى يتبدّل الواقع. ليس شرطاً أن يكون هذا القائد منزّهاً عن العيوب؛ يكفي أن يملأ الفراغ ويمنح الناس سرديةً جامعة. من هذا المنظور، ولادة “مولانا” ليست تحوّلاً فردياً فحسب، بل استجابة جماعية لعطشٍ عميق إلى المعنى.

لكن المفارقة تظلّ قائمة: رجلٌ تمرّد على عنف السلطة يجد نفسه في موقع سلطة من نوع آخر — سلطة الرمز والكلمة والتأثير. حتى تعريفه لنفسه: “اسمي زابر… بس حرف الزاي مضروب عندي”، ليس مجرّد دعابة لغوية، بل إعلان هوية تُعاد صياغتها، ومساحة تفاوض بين جابر الذي قتل و“مولانا” الذي يقود.

بهذا التداخل بين الفعل الدموي والمشهد الروحاني، بين القتل والإمامة، يطرح العمل سؤاله الأكثر إلحاحاً:
هل يكون التمرّد على الظلم بداية خلاص؟
أم أنّ كل سلطة، مهما بدت نبيلة، تحمل في داخلها بذرة التكرار؟


سامية عرموش، صحافية وناقدة سينمائيّة، تعمل على تفكيك الخطاب البصري وتحليل أثره الاجتماعي، ومحاضِرة مُستقلّة في موضوع السينما كأداة للتغيير. حاصلة على ماجستير بدرجة امتياز في “ثقافة السينما” من جامعة حيفا.

×