الأربعاء , 04 مارس 2026 - 5:58 صباحاً

هل تحرّرنا الدراما من الفساد أم تُقنعنا بالتعايش معه؟

تم إنشاء الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

تم إنشاء الصورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

#كتبت: سامية عرموش

في كل موسم درامي، يتجدد السؤال القديم–الجديد: هل الدراما مرآة تعكس المجتمع، أم أداة تعيد تشكيل وعيه؟ الواقع أن المسألتين متداخلتان. فالدراما تنطلق من واقع مأزوم، لكنها في الوقت نفسه تعيد ترتيبه سرديًا، وتختار زوايا النظر إليه، وتحدد من هو الضحية ومن هو الجلاد، ومن يستحق التعاطف ومن يُدفع إلى الهامش.

انشغلنا طويلًا – بحق – بقضايا العنف والإباحية في الأعمال الدرامية، وبأثرها في السلوك الجمعي، وبمخاطر تسليع الجسد أو تبرير العنف تحت لافتة “الواقعية”. غير أن ثيمة أخرى لا تقل خطورة أخذت تتكرر بكثافة في السنوات الأخيرة، لا سيما في الموسم الرمضاني الحالي، وهي ثيمة الفساد المؤسساتي: فساد الأجهزة الأمنية، تواطؤ بعض عناصر السلطة، هشاشة العدالة، وتغلغل النفوذ في مفاصل الدولة.

في مسلسل مولانا، تُطرح قضية الثكنة العسكرية في ضيعة العادلية بوصفها بؤرة توتر وفتنة، حيث يتحول بعض الجنود – المفترض بهم حماية المجتمع – إلى عنصر اضطراب داخله. وإذا ما قرأنا هذا الطرح في سياق الأعمال التي تتناول مرحلة الثورة السورية، فإن نقد المؤسسة العسكرية لا يبدو تفصيلًا عابرًا، بل خيارًا سرديًا واعيًا. هنا لا تمارس الدراما دور البديل عن صحافة غائبة، بل تدخل في اشتباك مباشر مع السردية السياسية، وتعيد تأطير صورة الجيش في الوعي الجمعي: من رمز للحماية إلى طرف في الصراع. إنها كتابة درامية للذاكرة، لا مجرد انعكاس لها.

وفي مسلسل بخمس أرواح، تتجسد صورة أخرى للفساد عبر شبكة العلاقات بين السلطة وأصحاب النفوذ. يكفي اتصال من شخصية نافذة ككمال باديس ليُلفَّق اتهام، أو يُفرج عن موقوف، أو يُعاد توجيه مسار قضية. العدالة هنا لا تبدو عمياء، بل مُسَيَّرة؛ والقانون لا يظهر كمرجعية عليا، بل كأداة قابلة للتطويع. هذا الطرح لا يرتبط بسياق سياسي محدد بقدر ما يعكس بنية فساد عابرة للأزمنة والجغرافيا، حيث يتحول النفوذ إلى قانون موازٍ.

من هنا، يصبح من الضروري التمييز بين أدوار متعددة تؤديها الدراما. أحيانًا تكون مساحة أوسع من الصحافة لقول ما لا يمكن قوله صراحة، مستندة إلى “حجّة التخييل” التي تمنحها هامش مناورة. وأحيانًا أخرى تكون طرفًا في إعادة صياغة السردية التاريخية ذاتها، فتختار موقعها الأخلاقي والسياسي بوضوح. وفي حالات ثالثة، قد تتحول – ولا سيما حين تكون بعض الإنتاجات مدعومة مؤسساتيًا – إلى أداة “تنفيس” محسوبة: يُعرض الفساد بجرأة على الشاشة، فيشعر المشاهد بأن الحقيقة قيلت، وأن مساحة من الحرية قد فُتحت، بينما يبقى الأثر الفعلي محصورًا في امتصاص الغضب وإعادة تدويره داخل إطار آمن.

الخطورة لا تكمن في كشف الفساد بحد ذاته، بل في الكيفية التي يُقدَّم بها. هل يُطرح بوصفه خللًا ينبغي تغييره، أم واقعًا قدريًا لا مفر منه؟ هل يُستثمر دراميًا لتحفيز المساءلة، أم يُعاد إنتاجه حتى يغدو مألوفًا، قابلاً للتعايش؟

من هنا، يصبح السؤال أعمق من مجرد: هل تعكس الدراما الواقع؟ بل: كيف تعكسه؟ ولماذا الآن؟ وهل تدفعنا إلى رفض الخلل والسعي إلى تغييره، أم إلى التكيّف معه باعتباره جزءًا طبيعيًا من بنية المجتمع؟

في نهاية المطاف، الدراما – إلى جانب كونها أداة ترفيهية – هي وثيقة ثقافية تؤرشف لحظات الارتباك الأخلاقي والسياسي التي تمر بها المجتمعات. وبين المرآة وهندسة الوعي، تبقى مسؤوليتنا كمشاهدين أن نقرأ ما وراء المشهد، وأن نميز بين النقد الذي يوقظنا، والسرد الذي يعيد ترتيب غضبنا ثم يعيدنا، بهدوء، إلى الواقع ذاته.

×