الاثنين , 18 مايو 2026 - 7:46 صباحاً

“حركة ساكنة”: حين يتحوّل الصمت إلى فضاء بصري حي

تصوير مندوبة حيفا24نت

تصوير مندوبة حيفا24نت

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

افتُتح مؤخرًا في جاليري بيت الكرمة في حيفا معرض “حركة ساكنة”، بمشاركة الفنانات: منار نصرالدين، آية أبو ركن كمال، يَرين أبو حمد، نوران حمد، ولطيفة خوري. ومنذ اللحظة الأولى للدخول إلى فضاء المعرض، بدا واضحًا أن التجربة لا تقتصر على مشاهدة أعمال فنية، بل تنقل الزائر إلى حالة حسّية وتأملية تتداخل فيها الذاكرة والهوية والجسد والصمت.

في قلب القاعة يتخذ العمل الفني هيئة خيمة أو دائرة مغلقة، كفضاء داخلي معزول يفصل بين العالم الخارجي وما يعتمل في الداخل من ذاكرة وحركة صامتة. وقد صُمّم هذا التركيب من الشالات البيضاء التي ترتديها النساء الدرزيّات على رؤوسهنّ، ما أضفى عليه بعدًا حميميًا وثقافيًا عميقًا. الشالات المعلّقة بخفّة خلقت إحساسًا متناقضًا بالأمان والهشاشة معًا؛ كأنها تحتضن الزائر بصمت، لكنها في الوقت ذاته تذكّره بثقل ما تختزنه الأقمشة من حكايات وأعمار وأثر أجساد مرّت عبرها.

وبالنسبة لي كزائرة، فإن توسط النباتات داخل هذا الفضاء بدا كأنه إعلان عن استمرار الحياة رغم كل شيء. النباتات الخارجة من بين الأقمشة البيضاء أوحت بأن الذاكرة، حتى حين تكون مثقلة بالوجع أو الصمت، قادرة على إنتاج حياة جديدة. بدا المشهد وكأن الطبيعة نفسها تنمو من قلب الذاكرة النسائية، من القماش، ومن الأثر المتراكم في التفاصيل الصغيرة.

أما الجدران المحيطة بالمجسّم، فتزدان بلوحات تشكيلية داكنة لشخصيات نسائية مغطاة بالقماش، تتأرجح بين الظهور والاختفاء. هذه الشخصيات بدت كأنها امتداد للعمل المركزي؛ أجساد حاضرة وغائبة في آن، تحمل صمتًا داخليًا أكثر مما تحمل ملامح واضحة. اللوحات لا تقدّم المرأة كصورة ثابتة، بل ككائن يعيش تحولات مستمرة تحت السطح.

كما أن الجانب الآخر من الجدران لم يكن امتدادًا موحّدًا للمشهد، بل حمل أعمالًا تشكيلية مختلفة في لغتها البصرية، ظهرت فيها رسومات لحيوانات تشبه الذئاب، تتجاور أحيانًا مع شخصيات نسائية داخل التكوين ذاته. هذا التداخل بين الحيواني والإنساني أضفى على اللوحات توترًا بصريًا لافتًا، وكأن العلاقة بين الطرفين ليست علاقة فصل، بل حالة اشتباك رمزي بين الغريزي والأنثوي، وبين الحماية والتهديد، في فضاء بصري يوسّع أسئلة المعرض حول الجسد والهوية والحدود غير المرئية بين الكائنات.

ويستكشف المعرض كيفية حمل الجسد للذاكرة والصدمة داخله، عبر أعمال تنتمي إلى لغات فنية مختلفة، لكنها تلتقي في مساحة مشتركة من التأمل والأسئلة الوجودية حول الحضور والغياب، والتحول، وما يبقى عالقًا في الإنسان رغم مرور الزمن.

وربما أكثر ما يتركه المعرض في النفس هو ذلك السؤال الفلسفي غير المعلن: هل للصمت أثر؟ فالهدوء الذي يملأ المكان ليس فراغًا، بل حالة مشحونة بالحركة الداخلية. كل قطعة قماش، وكل ظل، وكل جسد مرسوم على الجدران يوحي بأن ما يبدو ساكنًا يخفي داخله تحولات عميقة لا تُرى مباشرة. هنا يصبح الصمت شكلًا من أشكال الحضور، وتغدو الحركة الحقيقية تلك التي تستمر في الداخل، في الذاكرة، وفي أثر الأشياء بعد غياب أصحابها.

×