السبت , 18 أبريل 2026 - 11:23 مساءً

خزانة ممتلئة وعالم يفيض بالملابس: ماذا تقول تجربة شخصية عن اقتصاد الاستهلاك السريع؟

سامية عرموش

سامية عرموش

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

كتبت: سامية عرموش

خلال الأربعين يومًا التي مرّت علينا في ظل الحرب، وجدت نفسي، مثل كثيرين، أعيش حياة مختلفة تمامًا. معظم عملي تحوّل إلى لقاءات عبر الزوم، ومع هذا الانسحاب القسري من الإيقاع اليومي، بدأت أستعيد أشياء مؤجلة: ترتيب الخزانة، إعادة النظر بما أحتاجه فعلًا، وما يمكن التخلي عنه.

لكن هذا “التعزيل” لم يكن مجرد ترتيب منزلي عابر. كان مواجهة صامتة مع فائض غير مبرر. وجدت نفسي أمام خمسة جاكيتات شتوية، وعدد من الأثواب الشتوية، إلى جانب الملابس الصيفية التي بالكاد أستخدم بعضها. ومع كل قطعة كنت أضعها جانبًا، كان يتشكل سؤال غير مريح: كيف تراكم كل هذا دون أن أنتبه؟

وفي لحظة غير متوقعة، وبينما أنا في خضم هذا الترتيب، تلقيت ثلاث مكالمات من ثلاث سيدات مختلفات يسألن إن كنت سأعيد هذا العام تنظيم بازار الملابس المستعملة، الذي نظمته سابقًا على مدار سنتين ضمن نشاط تطوعي لجمعية “سلامتك”، بهدف دعم أطفال مرضى السرطان. بدا الأمر وكأنه أكثر من مصادفة؛ كأن هناك وعيًا جماعيًا يتشكل في الخلفية.

فكثير من النساء، على الأقل في محيطي، استغللن فترة البقاء القسري في البيت خلال الحرب لإعادة فتح الخزائن، والتخلص من كميات كبيرة من الملابس. وهنا يبرز سؤال أكبر من تجربة فردية: هل ما يحدث في خزائننا مجرد ترتيب… أم انعكاس لنمط استهلاك عالمي خرج عن السيطرة؟

تشير التقديرات الحديثة إلى أن العالم ينتج أكثر من 100 مليار قطعة ملابس سنويًا. وعند تقسيم هذا الرقم على عدد سكان العالم، يظهر ما يعادل نحو 12 إلى 13 قطعة لكل إنسان في السنة. لكن هذا الرقم، رغم دقته الحسابية، يظل متوسطًا نظريًا يخفي خلفه تفاوتًا هائلًا في أنماط الاستهلاك؛ فبينما يشتري بعض الأفراد عشرات القطع سنويًا في الدول ذات الدخل المرتفع، لا يكاد آخرون يستهلكون شيئًا يُذكر في أجزاء واسعة من العالم. كما أن جزءًا كبيرًا من هذا الإنتاج لا يصل أصلًا إلى مرحلة الاستخدام، إذ يبقى في المخازن أو يتحول إلى نفايات قبل أن يُلبس فعليًا.

هذا الفائض لم يتفاقم فقط بفعل العادات الفردية، بل تسارع بشكل غير مسبوق مع صعود ما يُعرف بـ”الأزياء فائقة السرعة”، وخصوصًا مع منصات مثل Shein وTemu، التي لم تغيّر فقط ما نشتريه، بل كيف نشتريه أصلًا.

هذه المنصات تعمل وفق منطق مختلف تمامًا عن صناعة الأزياء التقليدية: آلاف التصاميم الجديدة تُطرح يوميًا، وسرعة تحويل الفكرة إلى منتج قد لا تتجاوز أيامًا قليلة، مع أسعار منخفضة تجعل قرار الشراء لحظيًا تقريبًا. في هذا النموذج، لم يعد السؤال “هل أحتاج هذه القطعة؟” هو الحاسم، بل أصبح الإغراء قائمًا على سهولة الوصول والسعر المنخفض والكمّ الهائل من الخيارات.

والنتيجة أن الملابس لم تعد تُشترى بالضرورة لأنها تُحتاج، بل لأنها متاحة، رخيصة، وسريعة التبدل.

هذا التحول انعكس مباشرة على السوق العالمي. فقد أدت هذه المنصات إلى ضغط قوي على الأسعار وإعادة تشكيل ما يمكن تسميته بـ”السعر المرجعي” للملابس. تيشيرت كان يُباع في السابق بـ20 أو 30 دولارًا أصبح يُقارن بمنتجات تُباع اليوم بـ3 إلى 8 دولارات. ومع هذا الانخفاض، اضطرت علامات تجارية ومتاجر تقليدية إلى إعادة تسعير منتجاتها أو تقليص جودة الإنتاج أو الخروج من السوق تمامًا، ما خلق فجوة واضحة بين عالم رخيص وسريع الاستهلاك، وعالم آخر أكثر كلفة وأبطأ إيقاعًا.

لكن خلف هذا الانخفاض في الأسعار، هناك كلفة لا تظهر في بطاقة السعر. فصناعة الأزياء اليوم من أكثر الصناعات استهلاكًا للمياه والطاقة، ومن بين الأكثر إنتاجًا للنفايات والانبعاثات. ومع تسارع دورة الاستهلاك، تتضاعف المشكلة: إنتاج أسرع، شراء أسرع، وتخلص أسرع.

حين أعود إلى خزانتي الآن، لا أستطيع فصل ما هو شخصي عمّا هو عالمي. ما بدا كقرار بسيط خلال الحرب—ترتيب الملابس والتخلص من بعضها—اتضح أنه نافذة على نظام اقتصادي وثقافي كامل، يدفعنا نحو تراكم لا يتوقف، واستهلاك يتجاوز الحاجة.

ويبقى السؤال، في نهاية هذا المشهد الممتد بين خزانة فردية وسوق عالمي ضخم:

هل نحن نشتري فعلًا لنلبس… أم أن الشراء نفسه أصبح غاية مستقلة، فقدت علاقتها بالحاجة والمعنى؟

 

** صورة من متجر الملابس المستعملة “البيجوديت” في حيفا، التُقطت بعد محاضرة قدّمتها هناك في شباط/فبراير 2023.

×