الثلاثاء , 07 يوليو 2026 - 10:32 مساءً

شوقية عروق منصور: «الكتابة ليست ترفًا… بل موقف ومسؤولية»

الكاتبة شوقية عروق منصور - الصورة بلطف عن صفحتها

الكاتبة شوقية عروق منصور - الصورة بلطف عن صفحتها

طباعة تكبير الخط تصغير الخط

حوار: رانية مرجية

المقدمة

ليست كل قراءة تترك أثرًا، لكن بعض الكتّاب يرافقوننا طويلًا بعد أن نطوي صفحاتهم. ومن بين هؤلاء تبرز شوقية عروق منصور، الكاتبة التي لم تجعل من الكتابة فعلًا جماليًا فحسب، بل مساحة للتأمل والمساءلة ومواجهة الأسئلة الصعبة.

في نصوصها، تتجاور التجربة الإنسانية مع الهمّ الوطني، ويصبح الصدق خيارًا لا تحيد عنه مهما كانت كلفته. لذلك يأتي هذا الحوار محاولةً للاقتراب من عالمها الفكري والإبداعي، والإنصات إلى رؤيتها للكتابة والحياة، وإلى الأسئلة التي ما زالت تؤمن أن الأدب قادر على طرحها في زمن تزداد فيه الحاجة إلى المعنى.

إنه لقاء مع كاتبة اختارت أن تبقى وفية للكلمة، وأن تجعل من الكتابة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.

أكتب إليك اليوم قارئةً قبل أن أكون محاوِرة.. هل ما زلت ترين أن الكتابة موقفًا، حتى حين لا يكون ثمن الصمت بسيطًا؟

شوقية عروق منصور:
نعم، ما زالت الكتابة توقيعًا على الصراخ، وعلى رفض الصمت، وعلى هدم ما تبقى من الظلم في هذا العالم. فالكتابة ليست مجرد كلمات تتسكع فوق السطور، بل هي بالنسبة إليّ تحدٍّ وموقف، وبحث دائم عن إنسانية الإنسان، وتجريد للأفكار الوحشية من أدواتها التي تسيطر على ما تبقى من النبض البشري.

الكتابة مطاردة في غابات الخوف والاستسلام والاحتلال والاستغلال، وتحدٍّ للسكتات الإنسانية التي أغلقت شرايين التضامن، كما أنها مواجهة لحصار الرغيف والدواء، ومحاولة لتحطيم بورصات النفاق وإغلاق مهرجانات الزيف التي تُقام يوميًا في ساحاتنا وحقول أفكارنا. فالصمت، في النهاية، جريمة تُرتكب بحق المستقبل.

في نصوصك تبدو الحقيقة حاضرة بلا تجميل. هل تكتبين لتواجهي، أم لتفهمي ما يحدث حولك؟

شوقية عروق منصور:
لا أكتب لأفهم، لأننا شربنا الفهم حتى الثمالة، وأقمنا في غرفه السرية، وحاولنا فتح فنادق عالمية له، ثم اكتشفنا أن ما يحدث ليس سوى ألغاز ومسائل تفاوضية وتنازلية، وأن الشعارات انقلبت إلى سجاجيد ندوس عليها.

أكتب لمواجهة الأبواب المغلقة، ولمواجهة الأيام القادمة التي لا نعرف ماذا تخبئ لنا، ولمواجهة الوجوه التي تطل علينا من نوافذ الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي معلنةً عدم وجودنا. إنهم يمحون التاريخ والحضارة والفنون والأدب والتراث، ولذلك أقيس كل يوم طول الحبل الذي يحاولون شنق وجودنا به، وعلى قدر تلك الأمتار أكتب، وأخيط أجنحة لمواجهة العواصف.

الصدق في الكتابة ليس بلا كلفة. ماذا خسرت شوقية عروق منصور مقابل أن تبقى وفية لما تكتب؟

شوقية عروق منصور:
كما يقال: «من يركب البحر لا يخشى الغرق». عندما قررت الكتابة أدركت أن كلفة الرحلة ستكون عالية، ليس بالمال أو الوقت، بل بالأعصاب والغضب والقلق والخوف، وبنظرات المجتمع الذي يرى أن ما أفعله يتعارض مع الصورة التقليدية للمرأة.

ورغم كل ذلك، اخترت أن أكتب، لأن الكلمات كانت النوافذ التي أطل منها على أوجاع مجتمعي وقضايا شعبي. نعم، خسرت كثيرًا، لأن الكلمة عندي كانت أهم من بذور النفاق التي تُزرع في كل مكان. كنت أكتب بوضوح، وأنتقد، وأعالج القضايا الاجتماعية والسياسية بمبضع الجراح، لكن هناك من لا يحب الوضوح ويحارب الشفافية. ومع ذلك ظل قطار الكلمات يسير، غير آبه بالعقبات والعقوبات، حتى وصلت إلى سن التقاعد.

هل هناك أشياء شعرت أنها أكبر من أن تُكتب؟ أو نصوص بقيت في درجك لأنها كانت أكثر صراحة مما يحتمل النشر؟

شوقية عروق منصور:
نعم. مهما توهجت مشاعر الفلسطيني، ومهما حاول الهروب من زنزانة الخنق، يجد خلفها مئات الزنازين. لذلك، كما قال لي أحدهم يومًا: «نمشي بين النقط».

هناك عشرات النصوص الأدبية والسياسية ما زالت تصرخ وتناديني، لكنني أشعر أن خروجها إلى النور قد يكون بمثابة اغتيال لها.

المرأة في كتاباتك ليست صورة جاهزة. من أين جاءت هذه الرؤية؟

شوقية عروق منصور:
شخصية المرأة في قصصي ليست المرأة النمطية المحصورة في الأنوثة أو الأمومة المفرطة، بل هي المرأة التي تتمرد، وتناقش، وتضع أذنها على نبض الشارع.

هذه الرؤية تشكلت عبر أكثر من عشرين عامًا من الحوار مع النساء، ومن مراقبة الواقع. لذلك وضعتها أمام مرايا كثيرة، وكانت المرآة الأصدق هي مرآة التمرد، ليس على بعض العادات والتقاليد فقط، بل على الظلم أيضًا، والانطلاق نحو قضايا الوطن والاحتلال والأسرى والاستيطان وكل أشكال القهر.

هل مررتِ بلحظة شعرتِ فيها أن الكلمات لم تعد كافية؟ وماذا يفعل الكاتب حين تضيق اللغة؟

شوقية عروق منصور:
نعم، كثيرًا. حين يصبغ الدم الشوارع والوجوه، وحين يدير العالم ظهره لغزة، وحين نرى العنف يلتهم مجتمعنا يومًا بعد يوم، نتساءل: ما جدوى الكتابة؟

أحيانًا تضيق اللغة، وتتذمر، وتحاول الهرب من الكاتب، لكنه لا يستطيع أن يتخلى عنها. قد يصمت قليلًا، لكنه يبقى وفيًا لكلماته، منتظرًا اللحظة المناسبة ليعيد إليها الحياة.

أما أنا، فكلما ضاقت اللغة وسّعت هوامشها، وابتكرت كلمات جديدة، حتى يعرف القارئ أن اللغة لم تهرب، بل ارتدت ثوبًا جديدًا يحمل صراخي ورفضي.

فلسطين في نصوصك حضور حي، لا مجرد فكرة. كيف تحافظين على هذا الحضور دون أن يتحول إلى تكرار؟

شوقية عروق منصور:
من يعيش تفاصيل الحياة الفلسطينية يعرف أنها ليست مشهدًا عابرًا، بل دورة دموية تنادي بالعدالة. وأمام صمت العالم، تبقى الكلمات في حالة يقظة، تقرع طبول الرفض، وتحرس الذاكرة والمفاتيح.

الأدب الفلسطيني بعيد عن التكرار؛ لأنه يكتب يوميًا وجعًا جديدًا، وصورة جديدة، وشهقة جديدة، حتى لو تشابهت الأحداث.

بعد كل هذه السنوات، ماذا تغيّر فيك؟ وهل أصبحت الكتابة أخف أم أكثر ثقلًا؟

شوقية عروق منصور:
لم يتغير فيّ شيء. ما زلت الكاتبة التي حولت حروفها إلى رسالة اجتماعية وسياسية، وما زلت أعلق كلماتي على حبال رؤيتي للواقع.

لكن الكتابة أصبحت أثقل وأكثر مسؤولية، لأن الزمن يمضي فوق رمال متحركة، ولأننا لا نعرف إلى أين يقودنا هذا الانزلاق السياسي وما يحمله من كوابيس وهيمنة.

لو عدتِ إلى البدايات، هل ستختارين الطريق نفسه؟ أم أن الكتابة كانت خيارًا لا بديل له؟

شوقية عروق منصور:
منذ البداية أعلنت أن «الكتابة قدري». لم أستطع أن أكون وفيّة للصمت أو أن أدفن عباراتي.

كانت الكتابة بالنسبة إليّ خيارًا، وهواءً أتنفسه، وسباحة في نزيف القضايا، وتلويحًا بالكوفية عبر قارات الوجوه. لم أرتد الأقنعة يومًا، بل دخلت إلى الأوراق كما أنا، مباشرة، أحاول تشريح الوجوه وكشف ما تخبئه من أسرار.

ما الذي تخشينه اليوم أكثر: ألا يُفهم قصدك، أم ألا يُصغى إليك أصلًا؟

شوقية عروق منصور:
كتبت في عشرات الصحف، وكانت لي زوايا ثابتة، وأصدرت كتبًا عديدة. تعودت أن تختلف التفسيرات، وأن يقرأ كل شخص النص بطريقته.

لكن ما أخشاه حقًا هو ألا أستطيع الكتابة. أما إن فهمني الناس أو لم يفهموني، أصغوا إليّ أو لم يصغوا، فذلك لم يعد يقلقني. المهم أن أبقى على حافة الكتابة، أحمل شعار الشاعر الفلسطيني معين بسيسو: «أنت إن نطقت مت، وإن سكت مت، فقلها ومت».

الخاتمة

ينتهي هذا الحوار، لكن الأسئلة التي يثيرها تبقى مفتوحة على تأملات أخرى. فمع شوقية عروق منصور لا تبدو الكتابة مجرد وسيلة للتعبير، بل موقفًا أخلاقيًا ومعرفيًا يواجه الواقع ويحاول فهمه في آن واحد.

لقد كشفت لنا تجربتها أن الكلمة الصادقة لا تفقد قيمتها مهما اشتدت التحديات، وأن الأدب الحقيقي يظل قادرًا على حفظ الذاكرة وصون الإنسان من النسيان. وبين ما قيل وما بقي معلقًا بين السطور، يتأكد أن الكتابة عندها ليست ترفًا، بل فعل مسؤولية ومقاومة وأمل.

ولعل أهم ما يخرج به القارئ من هذا اللقاء هو أن للكلمات قدرة دائمة على فتح أبواب الفهم، وأن الصدق في الكتابة، رغم كلفته، يظل الطريق الأقرب إلى البقاء.

×